الهجرة في المغرب: حين يصبح الاختزال سببًا في إخفاء الحقيقة
بقلم: علي رمادي
ما شهده شمال المغرب يومي الأربعاء والخميس، حيث حاول عشرات الآلاف من الأشخاص الوصول إلى مدينة سبتة المحتلة، يفرض علينا إعادة النظر في الطريقة التي نقرأ بها ظاهرة الهجرة غير النظامية. فاختزال ما حدث في فشل السياسات العمومية، أو في البطالة والفقر وحدهما، لا يقدم تفسيرًا علميًا كافيًا لظاهرة بهذا الحجم والتعقيد.
نحن لا نتحدث عن عشرات أو مئات الأشخاص، بل عن حشود ضمت شبابًا وشيابًا، رجالًا ونساءً، بل وحتى أسرًا بأكملها. ومن غير المنطقي افتراض أن جميع هؤلاء يعانون الظروف الاقتصادية نفسها، أو أنهم جميعًا عاطلون عن العمل، أو أن دوافعهم متطابقة. والأهم من ذلك أن هناك آلاف المغاربة يعيشون الظروف نفسها، وربما أشد قسوة، ومع ذلك لا يفكرون في الهجرة غير النظامية أصلًا.
هذه المفارقة تكشف أن التفسير الاقتصادي، رغم أهميته، ليس سوى جزء من الصورة.
إن ما نحتاج إليه هو مقاربة متعددة الأبعاد، تنظر إلى الهجرة باعتبارها ظاهرة اجتماعية وثقافية أيضًا. فقد ترسخت داخل المجتمع، عبر سنوات طويلة، ثقافة تعتبر الهجرة الطريق الطبيعي للنجاح، وأن المخاطرة في سبيلها مقامرة تستحق أن تُخاض مهما كانت التكاليف. وأصبح النجاح في المخيال الجمعي مرتبطًا بالوصول إلى أوروبا أكثر من ارتباطه ببناء مشروع داخل الوطن.
ولا يمكن فهم هذه الثقافة دون التوقف عند دور مؤسسات التنشئة الاجتماعية المختلفة؛ من الأسرة، والمدرسة، والأصدقاء، والإعلام، وصولًا إلى شبكات التواصل الاجتماعي، التي تحولت إلى فضاء يعيد إنتاج صور مثالية عن الهجرة، ويضخم قصص النجاح، ويُخفي في المقابل قصص الفشل والمآسي. كما أصبحت هذه المنصات مجالًا تستغله شبكات تهريب المهاجرين، وغيرهم من الفاعلين، للتأثير في التصورات الجماعية ودفع مزيد من الشباب إلى المغامرة.
وفي المقابل، من الخطأ أيضًا إنكار مسؤولية الدولة. فالسياسات العمومية مطالبة بتحسين التعليم، والرعاية الصحية، وتوفير فرص الشغل، وصون الكرامة الإنسانية، وتوزيع الثروة بعدالة، وإشراك المواطنين في صناعة مستقبلهم. لكن تحسين هذه السياسات وحده لن يكون كافيًا إذا بقيت ثقافة الهجرة باعتبارها "الحل الوحيد" مسيطرة على عقول أعداد كبيرة من الشباب.
فالمشكلة لا تكمن فقط في أن بعض الشباب يهاجرون، بل في أن فئة واسعة من المجتمع أصبحت تنظر إلى المغرب باعتباره مجرد محطة انتظار، لا فضاءً لبناء المستقبل. وهذا ينعكس على الاستثمار، والمشاركة في النقاش العمومي، والانخراط في المبادرات المدنية، والإيمان بإمكانية التغيير من الداخل.
ومن المهم أيضًا عدم تحويل قضية الحقوق والحريات إلى تفسير شامل للهجرة. فالمدافعون الحقيقيون عن الحقوق، في كثير من الأحيان، لا يختارون المغادرة بسهولة، لأنهم يعتبرون أن الدفاع عن الحقوق والحريات يبدأ من الأرض التي ينتمون إليها، وأن تغيير الواقع لا يتحقق بتركه بالكامل، وإن كان لكل فرد ظروفه وخياراته التي تستحق الاحترام.
إن المغرب اليوم بحاجة إلى إصلاح مزدوج: إصلاح السياسات العمومية من جهة، وإصلاح أدوات التنشئة الاجتماعية من جهة أخرى. فلا يكفي خلق فرص اقتصادية إذا استمرت الثقافة السائدة في تصوير النجاح على أنه لا يتحقق إلا خارج الوطن، كما لا يكفي الحديث عن الوطنية دون توفير شروط العيش الكريم والعدالة الاجتماعية.
كما ينبغي إعادة التفكير في طريقة توظيف الهجرة في التنمية. فكثيرًا ما يُستشهد بتحويلات مغاربة العالم باعتبارها دليلًا على الفائدة الاقتصادية للهجرة، بينما تشير العديد من الدراسات إلى أن الجزء الأكبر من هذه التحويلات يُوجَّه إلى الاستهلاك اليومي، والسكن، والتعليم، والصحة، أكثر مما يُوجَّه إلى الاستثمار المنتج أو خلق فرص الشغل. كما أن الاستفادة من كفاءات المهاجرين وخبراتهم لا تزال دون المستوى المطلوب.
الهجرة ليست شرًا في حد ذاتها، بل هي حق إنساني وخيار مشروع عندما تكون حرة وآمنة. لكن الخطر يبدأ عندما تتحول من خيار إلى ضرورة، ومن فرصة إلى ثقافة، ومن قرار فردي إلى أفق جماعي يهيمن على مجتمع بأكمله.
إن ما حدث في شمال المغرب ليس دليلًا على سبب واحد، بل هو نتيجة تفاعل عوامل اقتصادية، واجتماعية، وثقافية، ونفسية، وسياسية، وإعلامية، وتاريخية. وكل محاولة لاختزال هذا التعقيد في تفسير واحد، مهما بدا مقنعًا، لن تؤدي إلا إلى إخفاء جزء كبير من الحقيقة.

تعليقات
إرسال تعليق